حسن ابراهيم حسن

542

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

على أن هذا العقل يجب - بحسب منطق ابن طفيل - أن يتفق مع رسالة محمد عليه الصلاة والسلام . وكان ابن طفيل في هذا سائر في نفس الطريق الفلسفي الذي سار فيه مفكر والمشرق من أن الدين يجب أن يقصر على العامة ، إذ لا قدرة لهم على المضي فيما وراءه . أما الفلاسفة فهم القادرون على ما وراء ظواهر الدين . وعلى هذا فكلام النبي صلى اللّه عليه وسلم ينطوى على تأويلات لا يسمو إليها إلا المفكرون . ومن المؤكد أن التفكير لا يتسنى لأحد إلا بعد بلوغ سن معينة . ويعتبر الاشتغال بالأمور المادية كالصناعات والعلوم خطوة طبيعية للوصول إلى الكمال الروحي . ويعنى ابن طفيل بنشاط حي ابن يقظان الصوفي الذي يحل محل العبادات التي فرضتها الشريعة الإسلامية على الدهماء . فالرجل الصوفي أسمى من المتعبد العادي . ولعل في ذلك مسحة من الأفلاطونية الحديثة والفيثاغورية . وقد تبينت لحى الغاية التي يرمى إليها من التماس الواحد في كل شئ والاتصال به ، وهو يرى أن الطبيعة جميعها تنجذب نحو الواحد وهو اللّه سبحانه وتعالى . والإنسان هو أسمى المخلوقات لأنه القادر على الفكر . وهو يأكل النباتات والفواكه الناضجة ولا يأكل من الحيوان إلا الضروري . وهذا ما التزمه حي بن يقظان لمطالب جسده المادية . أما روحه فهي مرتبطة بالعالم العلوي ، وهو يتشبه بالعالم الذي يعيش فيه ، فهو بذلك يفيد ويستفيد . كما يرى أنه يجب أن يحيى حياة بريئة من شوائب المادة وأن يتعهد النبات ويحمى الحيوان ملتزما النظافة والعناية بملبسه ، منسق الحركات ليماثل الأجرام السماوية المعتدلة . وهكذا يصبح حي بالتدريج قادرا على أن يسمو بنفسه فوق الأرض والسماء ، حتى يصير عقلا صرفا . وهذه هي حالة الفناء التي يريدها المتصوفة « 1 » . ( د ) ابن رشد ( ت 595 / 1198 م ) ولد أبو ليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد بمدينة قرطبة حاضرة الأندلس في سنة 520 ه ( 1126 م ) ونشأ في بيت عريق في العلم والأدب ، وذلك في أعقاب ملوك الطوائف الذين عرف عصرهم بالعصر الذهبي في الأندلس ، ذلك العصر الذي بلغت فيه هذه البلاد أوج عزها الفكري والحضارى ، كما بدأت حرية الفكر ببلاد المغرب بظهور المهدى محمد بن تومرت .

--> ( 1 ) انظر دى بور : تاريخ الفلسفة في الإسلام الترجمة ص 379 - 338 .